فانتازيا مظلمة • بداية السلسلة

الانشقاق

الباب الذي ابتلع العالم

حين يطارد آدم أثرًا رفض العالم أن يتركه، يقوده دفتر غامض إلى المُنطَوَى: عالم من الممالك المنقسمة، والقوانين الحيّة، وأبواب لا تعيد أحدًا كما كان.

غلاف رواية الانشقاق

عن الرواية

بعض الأبواب لا تقود إلى مكان… بل إلى ما رفضت أن تفقده

بعد غيابٍ ترك في داخله سؤالًا لا يهدأ، يصل آدم إلى دفترٍ بلا عنوان في أقصى العالم. قطرة دم واحدة تكفي لفتح ما كان ينبغي أن يبقى مغلقًا.

على الجانب الآخر ينتظره المُنطَوَى؛ عالم من الممالك الغريبة، والطرق التي تتبدل، والقوانين التي تقرأ العابر قبل أن تسمح له بالمرور. هناك، لا يصبح السؤال: كيف ينجو؟ بل: ما الذي سيبقى منه إن وصل؟

«الانشقاق: الباب الذي ابتلع العالم» رواية فانتازيا مظلمة تمزج الغموض والمغامرة ببناء عالم واسع، وتضع الفقد والهوية والذاكرة في قلب رحلة لا تمنح إجاباتها بلا ثمن.

لماذا تدخل المُنطَوَى؟

عالم واسع. لغز شخصي. وكل إجابة تفتح بابًا أخطر.

المُنطَوَى

ليس خلفيةً للأحداث، بل عالم يتصرف كأنه كائن حي: ممالك متباينة، لغات وعقائد، مسارات تتغير، وأماكن تتذكر من مرّ بها.

آدم

لا يدخل بحثًا عن المجد أو البطولة. يدخل لأن الفقد ترك فيه سؤالًا لا يقبل الصمت، ولأن أثرًا واحدًا قد يكون كافيًا ليجازف بكل شيء.

الباب

كل عبور يَعِد بإجابة، لكنه يطلب شيئًا في المقابل. في هذا العالم، الوصول ليس نهاية الطريق؛ بل اللحظة التي يبدأ فيها الثمن.

اقرأ قبل أن تعبر

المقدمة — ما قبلَ الإحساسِ

لم يكن البرد في المقصورة حالةً للجو، بل شيئًا أقدم من الطقس وأقرب إلى الحكم. أمام آدم، على طاولة معدنية في آخر العالم، انتظر دفتر صغير بلا عنوان ولا اسم مؤلف. وبعد أشهر من مطاردة أثر لا يقبل الغياب، لم يعد السؤال: هل ينبغي أن يفتحه؟ بل: هل يمكن أن يقوده إلى ما فقده؟

المقدمة
ما قبلَ الإحساسِ

لم يكن البرد في المقصورة حالةً للجو، بل شيئًا أقدم من الطقس وأقرب إلى الحكم. كان يدخل من حواف القفازات، ومن الفراغ الدقيق بين الياقة والرقبة، ومن أسنان السحّاب المعدنية، ثم يمضي في الجسد حتى يعثر على الموضع الذي ظل آدم يحاول إخفاءه عن نفسه طوال الأشهر الأخيرة: تحت القفص الصدري بقليل، حيث يقيم الشيء الذي فشل في تسميته. لم يعد الحزن دقيقًا بما يكفي، والندم صار كلمة صغيرة، مهذبة أكثر مما يجب. ما يحمله هناك كان أثقل من شعور وأضيق من ذكرى؛ كتلة باردة لها وزن وإرادة، لا تتحرك إلا عندما يحاول أن يتنفس.
كانت الأجهزة تواصل عملها بإخلاص مريض. نقطة خضراء فوق لوحة التحكم تشتعل ثم تخبو ثم تعود، كما لو أن أحدًا علّمها الصبر ولم يعلّمها الرحمة. خلف الجدار الرقيق ظل صفير المرشح ثابتًا ومنخفضًا، يكاد يُخطئه السمع، لكنه كلما غاب لحظة عاد أكثر حضورًا. مولد الحرارة يعمل، والأسلاك الدقيقة تحت الأرضية تحمل تيارها في صمت، وكل شيء في المقصورة يعرف وظيفته إلا الرجل الواقف أمام الطاولة المعدنية.
خارج الزجاج السميك لم يكن القطب أرضًا بقدر ما كان بياضًا ممدودًا فوق فراغ لا يريد الاعتراف بعمقه. لا جبال واضحة، لا أشجار، لا خط يطمئن العين إلى أن الأفق موجود؛ فقط سطح جليدي واسع ومشدود، كأن العالم وضع فوق هاوية قماشًا أبيض وطلب من الناس أن يسموه أرضًا. السماء فوقه رمادية ومسطحة، لا تفتح ولا تنغلق، بل تضغط.
وقف آدم أمام الطاولة ولم يجلس. كان قد دار حولها أكثر مما يليق برجل جاء إلى مكان كهذا بقرار نهائي؛ يقترب، يرى بخار أنفاسه يلطخ السطح المصقول لحظة ثم يذوب، يبتعد نصف خطوة، يعود، يضع يده على حافة الكرسي ثم يتركها، يلمس جيب معطفه، ثم يحدق من جديد في الدفتر كأن النظر الطويل قد يجعله أقل حقيقة.
كان القفاز الأيمن مطروحًا قرب شريط الاختبار. نزعه منذ زمن قصير، أو منذ زمن كامل؛ لم يعد جسده يفرّق. أصابعه المكشوفة احمرت أولًا، ثم صارت البرودة فيها وخزًا متقطعًا، ثم فقدت شيئًا من انتمائها إليه. ومع ذلك أبقاها عارية. لم يكن يريد عازلًا بينه وبين ما سيحدث. جزء قبيح منه كان يصرّ على أن يلمس الخطأ بجلده.
كان الدفتر صغيرًا، وهذه كانت الإهانة الأولى. بعد كل ما جرى، بعد الأبواب المغلقة، والرسائل المحذوفة، والملفات التي تُفتح على عناوين ثم تنتهي بفراغ، وبعد الليالي التي قضاها يطارد نمطًا في تقارير لا يريد أصحابها أن تُقرأ، كان ينبغي للشيء الذي يقف في النهاية أن يكون أعظم: بوابة، آلة، تابوتًا خشبيًا، غرفة لا تُضاء إلا بأوامر مشفرة. لا دفتر ملاحظات صغيرًا ينتظر على طاولة معدنية في آخر العالم.
غلافه داكن، لكنه لم يكن أسود تمامًا. في الضوء المباشر يبدو كجلد محترق، وفي الميل الخفيف تظهر فيه خضرة عميقة تكاد تكون وهمًا، كأن شيئًا نباتيًا دُفن داخل العتمة ونسي كيف ينمو. لم يكن جلدًا، ولا قماشًا، ولا مادة مختبرية يعرفها. سطحه احتفظ بدفء غريب، لا دفء حاضر، بل أثر يد مرّت عليه منذ زمن ولم تغادره تمامًا.
كانت حوافه غير مستقيمة؛ تنحني في مواضع صغيرة ثم تستقيم، كما لو أن الشكل قاوم أن يكون شيئًا قابلًا للقياس. على ظهره خيط معدني رفيع يمتد من الأعلى إلى الأسفل، أسود حين ينظر إليه مباشرة، وذهبي حين تخونه الزاوية. قرب الزوايا يتفرع الخيط إلى خطوط أدق، لا تشبه الزينة بقدر ما تشبه جذورًا تبحث عن ماء، أو طرقًا مرسومة على خريطة لا تريد أن تكتمل. ستة من الفروع امتدت كطرق تبحث عن جهة، وأربعة انقطعت قبل أن تبلغ الحافة، وبينها موضع صغير خالٍ تمامًا من النقش؛ دائرة ناقصة لا سواد فيها ولا ضوء.
تحت الخيط، للحظة خاطفة، بدا الغلاف كمخطط مبنى صغير: ممر ضيق، مستطيل بارد، وغرفة واحدة يبدو رقمها ممحوًا عمدًا. رمش الشكل ثم عاد غلافًا. وعند الزاوية السفلى كان هناك انقطاع دقيق في أحد الخيوط، منتظم أكثر مما ينبغي؛ لم يشبه تلفًا ولا خدشًا، بل موضعًا تُرك فارغًا عمدًا، كأن اليد التي صنعت الغلاف عرفت أن اكتمال الشكل سيوقظ شيئًا قبل وقته.
لم يكن عليه عنوان، ولا اسم مؤلف، ولا سنة، ولا علامة منشأ. كان الغياب نفسه توقيعًا.
مد آدم يده، ثم أوقفها في الهواء. المسافة بين إصبعه والغلاف بدت ضئيلة بما يكفي لتثير السخرية؛ كل ما تبقى من حياته انضغط في بضع سنتيمترات: جلد بارد، دفتر صغير، وقرار يتظاهر بأنه بحث. الهواء فوق الغلاف كان أبرد، أو ربما صارت حواسه، بعد شهور من قلة النوم، تخترع الفروق الصغيرة كي تمنحه سببًا إضافيًا للتردد.
ابتسم تقريبًا، ولم تخرج الابتسامة. لو رآه أحد الآن لظنه عالمًا أمام عينة خطرة، وكانت هذه الكذبة ستريحه: عالم، باحث، رجل يتقدم خطوة محسوبة نحو مجهول يستحق الفهم. لكن آدم لم يكن هنا من أجل الفهم. لم يعد ذلك صحيحًا منذ زمن. المعرفة وحدها لا تكفي رجلًا جاء إلى آخر حدود العالم حاملاً جرحًا يريد أن يجعله قانونًا.
حرّك كتفه الأيسر، فطقطق المفصل تحت طبقات الملابس الحرارية. لم ينم جيدًا، لكن عبارة كهذه لم تعد تعني شيئًا. النوم لم يكن غيابًا للوعي عنده منذ شهور؛ صار غرفة أخرى للعودة. هناك يرى الممرات البيضاء، الزجاج المعتم، الملفات التي لا تفتح إلا على نقصانها، والوجوه التي تتجنب النظر إليه مدة أطول من اللازم. ويرى شعرها دائمًا في الصورة نفسها: مبللًا عند الأطراف، ملتصقًا بوجنتها، وهي تلتفت لتقول شيئًا لم تعد الذاكرة تمنحه كاملًا.
أغلق فكه حتى آلمه. أراد أن يطرد وجهها من اللحظة، لا لأنه لا يريده، بل لأنه يريده أكثر مما يستطيع. احتاج إلى شيء أبسط من الحب؛ كلمة حادة، صغيرة، صالحة للحركة. لذلك تمسك بما بقي منها من غير أن يكونها كلها: الأثر. ليس وجهها، ولا اسمها، ولا ضحكتها في صباح بعيد. الأثر فقط؛ خط في الثلج، قطرة على عتبة، بقايا حرارة على كوب، إشارة لا يحق للعالم أن يمحوها تمامًا.
على الطاولة، إلى جانب الدفتر، وضعت الأدوات في صف مفرط في النظام: إبرة سحب، شريط اختبار طبي، رقاقة شفافة تحمل نتائج ثلاث محاولات بعينات لا تخصه، قطعة شاش، أنبوب صغير جاف، ومصباح فحص يدوي. أكدت الرقاقة ما أكده غيرها: لا استجابة كاملة لأي عينة، لا انفتاح، لا اضطراب ثابت، لا تغيير في كثافة الغلاف. حتى الرجفة التي سجلها المستشعر الأول لم تتكرر إلا مع دمه.
على طرف الرقاقة كان سطر تقني صغير يتكرر منذ المحاولة الثانية: «رفضُ تعريف». لم يعرف لماذا أزعجه التعبير أكثر من كلمة فشل؛ كأن الجهاز لم يقل إن العينة غير صالحة، بل قال إن الشيء الذي لمسها لا يريد أن يُعرِّف نفسه. ثم لمعت على طرف الدفتر كلمة أخرى، أقصر من أن تثبت: «مسقط غير مطابق». اختفت قبل أن يسأل آدم: مسقط ماذا؟
دمه فقط.
في البداية سمّى الأمر خطأً في القراءة، ثم خدعة، ثم احتمالًا مصممًا لإغرائه. وبعد ليالٍ كافية، صار الفرق بين هذه التفسيرات عديم القيمة. إن كان الدفتر اختاره، فذلك لا يجعله أقل ذنبًا. وإن كان هو من طارد الدفتر حتى دفع نفسه إلى مركزه، فذلك لا يمنحه شرف المبادرة. في كلتا الحالتين انتهى الطريق إلى مقصورة قطبية، وطاولة معدنية، ويد تكاد ترتجف.
خفض عينيه إلى مفاصل أصابعه. الشقوق الدقيقة في الجلد بدت كخرائط صغيرة بلا أسماء. تذكر يدها على معصمه في يوم أبرد من الذاكرة وأرحم من الآن. يومها لم تكن قد اختفت، ولم يكن الفقد قد صار بنية للعالم. كان الاحتمال لا يزال شيئًا غبيًا يمكن طرده بجملة مطمئنة: لا شيء سيحدث. ثم حدث.
لم يقل له أحد: أنت السبب. لم يحتاجوا. كان الصمت أكثر كفاءة: أن تنخفض المحادثات حين يدخل، أن تنتهي الرسائل بجمل رسمية، أن تصبح الأعين مشغولة فجأة بالشاشات، وأن يتعلم الجميع كيف يتركون الفراغ يؤدي وظيفة الاتهام. لكنه، في الحقيقة، لم يكن بحاجة إليهم. كان أكثر سخاءً في إدانة نفسه من أي لجنة. كل مرة يعيد فيها تسلسل الأحداث يعثر على موضع جديد كان يمكن أن ينكسر فيه الطريق لصالحها؛ لو تأخر دقيقة، لو رفض، لو انتبه لنبرة صوتها، لو لم يظن أن الخطر يصبح مفهومًا لمجرد أنه يستطيع قياسه، لو لم يحب التفسير أكثر مما احترم الحد.
بقي الدفتر ساكنًا، وكان سكونه فظيعًا لأنه لا يشبه سكون الأشياء الميتة. كان ينتظر.
جلس أخيرًا. أرسل الكرسي المعدني قسوته عبر الملابس إلى عظامه. المقصورة من حوله بدت فجأة مكتملة أكثر مما ينبغي: الباب الخلفي محكم، الخزائن مثبتة، مؤونة تكفي أيامًا قليلة، بطارية احتياطية، مسدس طوارئ في الدرج السفلي، ودفتر عادي فارغ موضوع كما لو أنه إهانة أخرى. كل تفصيل هنا يقول إن الرجوع ممكن، وإن العقلانية لا تزال تملك كرسيًا إضافيًا، وإن المرء يستطيع، في آخر لحظة، أن يقرر النجاة. لكن النجاة تأخرت كثيرًا حتى لم تعد تشبه نفسها.
نزع القفاز الآخر. بدا كأنه يجرّد نفسه لا يديه. تناول الإبرة، فك الغطاء البلاستيكي، ثم توقف. لم يكن يخاف الوخز. الألم الصغير لا يساوي شيئًا في غرفة كهذه. ولم يكن يخاف حتى مما قد يحدث بعد انفتاح الدفتر. الخوف الحقيقي كان أبرد: أنه فهم، في تلك اللحظة، أن الخطوة التالية ستجعله يكف عن التظاهر.
هو لا يريد الحقيقة. الحقيقة قد تكون صغيرة، قاسية نعم، لكنها صغيرة؛ قد تقول له انتهت، لا أثر، لم يكن هناك باب، كل ما ظننته إشارة كان تشنجًا أخيرًا في عقل لا يريد أن يقبل. هذه الحقيقة، مهما كانت، لن تكفيه. هو لم يأتِ ليغلق الجرح، بل جاء ليجد خطأً أكبر منه؛ شقًا في الوقائع، خللًا غير أخلاقي في نظام ما حدث، مكانًا يستطيع أن يمد يده فيه إلى اللحظة التي أُغلقت ويفتحها بالقوة إن لزم الأمر. لم يجعله هذا الإدراك يتراجع، بل جعله يشعر، لجزء من ثانية، أنه صار أخيرًا صادقًا.
لم يسأل إن كان الشيء الذي يمكن فتحه ينبغي أن يُفتح. كان السؤال أضيق من الأخلاق وأشد جوعًا: هل يفتح؟ وهل أستطيع أن أصل من خلاله إليها؟
مرر رأس الإبرة فوق طرف إصبعه الوسطى. الجلد، من البرد، قاوم أكثر مما ينبغي. أخذ نفسًا، فدخل الهواء إلى صدره حادًا كزجاج مطحون. في اللحظة نفسها عادت إليه ذكرى بلا إذن: كتفاها تحت بطانية رمادية قرب نافذة بعيدة، وجهها نصف منعكس على الزجاج، وصوتها أهدأ من أن يكون تحذيرًا كاملًا.
«أخاف من الأشياء التي تعد كثيرًا».
كان قد ابتسم يومها، بغباء شخص يظن أن الخوف شيء يفهمه لأنه درس أشكال الخطر. لم يفهم أن أخطر الأشياء لا تكذب لأنها بعيدة عن الباب، بل لأنها تشبه الباب الصحيح أكثر مما ينبغي.
غرز الإبرة. كان الألم نظيفًا، صغيرًا، محددًا، ولذلك احتمله بسهولة. خرجت نقطة الدم ببطء، ثم امتلأت واستدارت عند طرف الإصبع. في ضوء المقصورة بدت أغمق من المتوقع، كأنها لا تحمل لون الجسد فقط، بل شيئًا من عتمة المكان الذي ستذهب إليه. قرّبها من الخيط المعدني على الغلاف، وللحظة خُيّل إليه أن الدفتر هو الذي مال نحوه.
لامس الدم الخيط الأسود الذهبي. لم يصدر صوت، وكان ذلك أسوأ. الغلاف لم يضئ، ولم ينفتح بضجة، ولم يمنحه طقسًا يليق بالخطيئة. فقط انخفضت عتمته طبقة إلى الداخل، كأن السواد لم يكن لونًا بل مسافة. تحرك الخيط أولًا؛ لا كأفعى، ولا كسائل، بل كتبدّل مسارات. خطوط تتكون ثم تنسحب، تتفرع ثم تندمج، تبحث في الدم عن صيغة تقبلها. تحت إصبعه شعر برجفة خفيفة جدًا، أخف من نبض، أقدم من آلة. كأن الدفتر أخذ نفسًا.
سحب يده بسرعة، لكن قطرة ثانية كانت قد لحقت بالأولى. لم تسقط ولم تلطخ الغلاف. امتصها الطرف الجانبي ببطء غير محتمل، كما لو أن المادة بين الغلاف والصفحات تعرف كيف تشرب من غير أن تترك أثرًا.
لا رسالة. لا ترحيب. لا تحذير.
انفتح الدفتر وحده. لم يبدُ كأنه أطاعه، بل كأنه قبل خطأه مؤقتًا، كما تقبل العتبة قدمًا لا تعرف بعد ما وراءها. لم تنقلب الصفحة كما تنقلب صفحة عادية؛ ارتفع الغلاف قليلًا، ثم انفصل الداخل عنه بتأنّ حي، كأن شيئًا كان مطويًا منذ زمن طويل يتأكد أولًا أن العالم الخارجي لا يزال صالحًا للرؤية. الصفحة الأولى لم تكن بيضاء. كانت رمادية عميقة، لها طبقات لا تستقر في مستوى واحد. رأى فيها خطوطًا تشبه سواحل ثم لا تشبهها، أنهارًا أو أعصابًا، جبالًا أو ندوبًا، ورموزًا كُتبت ثم مُحيت قبل اكتمالها. بعض العلامات كانت أقرب إلى أوامر منها إلى حروف: حد، فتح، قفل، مسار، أثر.
ثم ظهرت الكلمة. لم يعرف هل قرأها بعينيه أم سمعها داخل عظام جمجمته: المُنطَوَى.
ابتلع ريقه. حلقه كان جافًا إلى حد جعل البلع نفسه فعلًا مؤلمًا. وضع الإبرة جانبًا وضغط الشاش على الجرح الصغير، لكن الدم لم يتصرف كما ينبغي. بدل أن ينتشر على القماش، بقي خطًا رفيعًا داكنًا عند طرف الإصبع، كأنه لم يخرج تمامًا من الجسد، بل فتح من الداخل طريقًا ضيقًا. ثقل ساعده؛ لا ألمًا ولا خدرًا، بل كأن نقطة الدم امتدت عكس اتجاهها، عائدة تحت الجلد، تبحث في الذراع عن موضع كانت تعرفه قبل أن يولد.
نهض من الكرسي ببطء. لم يعد بينه وبين الصفحة إلا خطوة، وهذا القرب كشف له خللًا لم يلاحظه من قبل. سطح الصفحة لا يعكس وجهه بالطريقة الصحيحة. كان يرى ملامحه، نعم، لكنها تتأخر جزءًا صغيرًا من اللحظة. حين حرك رأسه، تبعته الصورة بعده بقليل. فارق ضئيل، لكنه كافٍ ليجعل الوجه غريبًا. حدق أكثر، فتلاشى الانعكاس وظهر بدله عمق رمادي بلا قرار.
رفع يده، وتوقفت فوق الكلمة. سيأتي من يختصره لاحقًا، لو بقي من يروي، فيقول: كان شجاعًا، أو أحمق، أو رجلًا لم يحتمل خسارته. وكلها كلمات أسهل من الحقيقة. آدم، في تلك اللحظة، لم يكن شجاعًا ولا جبانًا، بل رجلًا استُهلكت طبقات تردده واحدة بعد أخرى، ولم يبق بين الفعل والاعتراف إلا غشاء رقيق. إن لمس الصفحة، فهو يعترف أنه مستعد لدخول كذبة إن كانت الكذبة تمنحه احتمالًا. وإن أغلق الدفتر، فلن يكون ذلك قبولًا بالفقد، بل جبنًا بوجه أكثر احترامًا.
فكر أن هذا قد يكون انتحارًا، لا انتحارًا نظيفًا يعرف الناس كيف يسمونه؛ لا رصاصة، لا حبل، لا سقوط من علو. انتحار أكثر أناقة، مغطى بمفردات البحث والضرورة والاستعادة. لم تخفه الفكرة كما كان يجب، وهذا وحده أخافه.
ابتعد نصف خطوة ونظر إلى النافذة. البياض خارجها لم يتغير، ومع ذلك بدا كأنه أصبح أبعد، أو ربما الصفحة هي التي قرّبت كل شيء منها. رأى في الثلج، للحظة واحدة، خطوطًا طويلة شاحبة تمتد من المقصورة نحو الأفق؛ طرقًا لا ينبغي أن تكون هناك. فتح عينيه أكثر، فاختفت. عاد البياض إلى اتساعه البارد، كأنه لم يقترح شيئًا.
رجع إلى الدفتر. هذه المرة لم يبطئ يده. وضع إصبعه على الكلمة نفسها. كانت البرودة هناك مختلفة؛ ليست برودة ورق، ولا معدن، ولا هواء قطبي، بل برودة غياب. كأنه لمس المكان الذي أُزيلت منه حرارة العالم قبل أن يبدأ.
خرج صوته من حلقه منخفضًا وخشنًا:
«أنتِ هناك؟»
لم يكن ينتظر جوابًا، ولم يأتِ جواب. كان يعرف أن السؤال ليس سؤالًا كاملًا. الاسم الكامل سيكسر موضعًا لا يحتمل الكسر، أما الأثر فيكفي كي يواصل الكذب على نفسه بأنه لا يطلب المستحيل كله. ظلت المقصورة على وقاحتها: صفير الأجهزة، تنفسه المتقطع، احتكاك القماش عند كتفه، وارتجاف صغير في خط الضوء فوق الباب. ومع ذلك لم يكن السؤال طلبًا حقيقيًا؛ كان آخر موضع يستطيع أن يكره نفسه فيه بوضوح قبل أن يتغير شكل الكراهية.
قرأ، أو ظن أنه قرأ. السطر الأول تحت الكلمة لم ينتظر عينيه، بل ارتفع إليها. في البداية لم يحدث شيء. بقي السواد ساكنًا، والخرائط الرمادية في مكانها، والرموز معلقة في طبقات الصفحة. ثم انخفض الحبر، لا على السطح بل تحته، كما لو أن الصفحة فتحت داخلها صفحة أعمق. انطفأ الخط حول الكلمة، وامتد سكون صغير جدًا، لكنه في رأس آدم صار مساحة كاملة.
توقف صفير المرشح. ثبتت النقطة الخضراء فوق الباب على لون واحد، ثم خمدت. لم يكن الدفتر يفتح له طريقًا؛ كان يسجل أن الطريق فُتح من جهة لا تعرف الفرق بعد بين البحث والاعتداء. حتى الهواء بدا كأنه نسي كيف يمر.
شعر آدم أن جلده يُشد إلى الداخل. لم تتحرك الطاولة، ولم تتقلص الجدران، لكن جسده عرف أن المسافة بين الأشياء لم تعد مضمونة. رفع إصبعه عن الصفحة، إلا أن الفعل لم يكتمل؛ اليد ابتعدت، واللمس بقي. أو هكذا أحس. كأن جزءًا منه تأخر هناك، عالقًا على الكلمة.
ثم بدأ البرد ينسحب. لا دفء حل محله؛ كان الانسحاب أشبه بسحب خيط من العظم، من الأصابع إلى المرفقين، من الفك إلى الرقبة، من الصدر إلى العمود الفقري. بقي مكان البرد فراغ، وكان الفراغ أقسى من البرد. حاول أن يتراجع، لكن الأرض فقدت عادتها. لم تهتز ولم تنكسر، بل توقفت عن أن تكون تحت قدميه بالطريقة التي يعرفها.
ضاقت الرؤية. حواف الطاولة ابتعدت ثم اقتربت ثم ظهرت في موضعين متجاورين. المصباح العلوي صار دائرة ثم شقًا ثم خيطًا أبيض لا مصدر له. فتح فمه ليتنفس، فلم يدخل الهواء. دخل الضوء.
لم يبتلع الدفتر المقصورة. المقصورة هي التي بدأت تنطوي فيه.
سقطت المسافات أولًا. الدرج، النافذة، الجدار، اللوحة، الكرسي؛ كلها لم تعد أشياء منفصلة، بل طبقات شفافة من الشيء نفسه. حين حاول تثبيت نظره على الطاولة، انشقت صورتها إلى خطوط دقيقة، ثم إلى مربعات باهتة، ثم إلى سطح يشبه ماءً صلبًا. تحركت ركبته اليمنى متأخرة عن إرادته واصطدمت بالحافة المعدنية. وصل الألم بعد لحظة، كأنه اضطر إلى عبور ممر أطول داخل جسده.
بدأ طنين في أذنيه، ثم فهم أنه ليس طنينًا بل ضغط، كأن ماءً بعيدًا جدًا يحاول الدخول من تجاويف الرأس. شعر به في أسنانه، في العينين، في العصب خلف الأذن. الضوء الخارج من الصفحة لم يملأ المقصورة؛ دخل فيه. مر عبر أصابعه، تسلق الذراع، وانتشر تحت الجلد كشبكة باردة. نظر إلى كفه المفتوحة فرأى خطوطها أوضح مما ينبغي، ثم أعمق، ثم غريبة، كأن اليد نفسها صارت صفحة تكتب من الداخل.
تراجع أخيرًا، أو حاول. اصطدمت كتفه بالجدار. كان المعدن قريبًا وبعيدًا في آن. سقطت أداة من الطاولة، فرأى ارتطامها بالأرض قبل أن يسمع الصوت. الزمن لم يعد يصل مرتبًا.
ثم جاءت هي.
زوجته.
لم ير وجهها. لم تظهر في وسط الضوء كما تظهر المعجزات الرخيصة حين تحتاج الذاكرة إلى خداع نفسها. كان الأمر أضيق من الرؤية وأشرس: إحساس بوجودها في موضع ليس هنا، لكنه صار قريبًا بما يكفي ليكون جريمة. لا ملامح، لا صوت كامل، بل أثر؛ ثقلها الخفيف على طرف السرير حين تنهض قبله، رائحة قماشها بعد مطر بعيد، حرارة راحتها حين كانت تمسك أصابعه من غير أن تطلب شيئًا، وتلك الطريقة التي كان حضورها يغيّر بها حجم الغرفة قبل أن يتعلم هو اسم الخسارة.
هاجمته الأشياء الصغيرة دفعة واحدة. ضاق حلقه. صدره لم يعد يتحمل اتساع ما فُتح فيه. ليس البرد هذه المرة، بل شيء أكثر دفئًا وأشد قسوة. مد يده نحو الفراغ.
العالم سُحب. لم يكن سقوطًا؛ السقوط يحتاج جهة. ولم يكن دورانًا؛ الدوران يترك مركزًا واحدًا على الأقل. ما حدث كان اقتلاعًا من الاتفاق نفسه. الأبيض خارج النافذة دخل إلى المقصورة، والمعدن صار ماءً بلا بلل، والضوء صار سطحًا يلتف. سمع احتكاكًا بعيدًا يشبه جليدًا ينشق، ثم أدرك، بعد فوات اللحظة، أن الصوت خرج من حنجرته هو.
انهارت ركبتاه. وقبل أن ترتطم جبهته بالأرض، أو بعدها، أو في الموضع الذي لم يعد فيه قبل وبعد صالحين، انفتح شيء آخر.
ماء.
ليس بحر العالم الذي يعرفه؛ لا رمادي الموانئ، ولا المياه القطبية الثقيلة، ولا أي سطح يحمل اسمًا في ذاكرته. ماء واسع يتحرك من داخله، كأن الريح جاءت متأخرة عن الموج. فوقه قارب صغير ضيق، يهتز لا كخشبة تائهة بل كاحتمال يُختبر.
ثم ماء آخر. جهة أخرى. ملح آخر. قارب آخر.
رأى، أو أحس، أو فُرض عليه أن يكون في موضعين لا يجوز أن يجتمعا: يد تمسك حافة خشب مبلل هنا، ويد أخرى، ليست يده تمامًا، أو صداها، أو ما كان يمكن أن تكونه لو وصل الألم إلى شكل آخر، على حافة بعيدة هناك. بحر يتنفس من الشرق، وبحر يراقب من الغرب، وبينهما شيء انشق دون صوت.
ولحظةً، بين اليدين، مر ظل غرفة ضيقة لا تنتمي إلى بحر ولا إلى قطب: سرير قصير، جدار باهت، ونافذة أكثر مما يسمح به الجدار. ابتلع الماء الصورة قبل أن يسأل لمن كانت.
حاول أن يفهم، فابتعد الفهم.
انغلق الوعي دفعة واحدة، كما لو أن أحدًا أغلق من الداخل غلافًا لم يكن آدم يعرف أنه صار داخله.

عن المؤلف

أحمد ع.ع العامري

مؤلف «الانشقاق: الباب الذي ابتلع العالم». يقدّم في هذه الرواية فانتازيا مظلمة تجمع بين الغموض وبناء العالم والمغامرة، وتبحث في ما يفعله الفقد بالإنسان حين يصبح الأمل نفسه بابًا لا يعرف إلى أين يقود.

ابدأ من المقدمة